الشيخ محمد رشيد رضا

220

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية . ولما كان أعظم الطاعات بعد الايمان الصلاة وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها الا بالطهارة لا جرم بدأ اللّه تعالى بذكر شرائط الوضوء » ( لعل الأصل فرائض الوضوء ) أقول لو جعل هذا الوجه في الاتصال لهذه الآية وما بعدها معا - وقد جمعناهما - لكان أظهر فإنه في الثانية يذكرنا بعهده وميثاقه . والذي أراه أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح ، فلو لا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء ، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل ، وأما المناسبة بين آية الميثاق وما قبلها فهي ان اللّه تعالى بعد ان بين لنا طائفة من الاحكام المتعلقة بالعبادات والعادات ذكرنا بعهده وميثاقه علينا وما التزمناه من السمع والطاعة للّه ولرسوله بقبول دينه الحق ، لنقوم بها مخلصين * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ قال المفسرون ان المراد بالقيام هنا ارادته أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة ، على حد قوله تعالى ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) أي إذا أردت قراءته . على أن الغالب أن مريد الصلاة يقوم إليها من قعود أو نوم ، وقد يطلق لفظ القيام إلى الشيء على الانصراف اليه عن غيره ، ومن فسر القيام بإرادته حاول ان يدخل في عموم منطوقه صلاة من يصلي قاعدا أو نائما لعذر . وظاهر العبارة ان المراد بالقيام إلى الصلاة عمومه في جميع الأحوال وان هذه الطهارة تجب لكل صلاة وعليه داود الظاهري ، ولكن جمهور المسلمين على أن الطهارة لا تجب على من قام إلى الصلاة الا إذا كان محدثا فهم يقيدون القيام الذي خوطب أهله بالطهارة بالتلبس بالحدث فالمعنى عندهم إذا قمتم إلى الصلاة محدثين فاغسلوا وجوهكم الخ والعمدة في مثل هذا التقييد السنة العملية في الصدر الأول ، روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن من حديث بريدة قال كان النبي ( ص ) يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد . فقال له عمر يا رسول اللّه انك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال « عمدا فعلته يا عمر » وروي بألفاظ كثيرة متفقة في المعنى . وروى أحمد والبخاري وأصحاب السنن